ريادة الأعمال الخليجية تقتحم العالمية: شركات ناشئة تتحدى النماذج الغربية وتجذب دولارات وادي السيليكون
جيل جديد يكتب قصة مختلفة
في مكاتب مضاءة بإضاءة ناعمة تطل على أفق دبي أو الرياض، يعكف شباب خليجيون ومغتربون متعددو الجنسيات على بناء شركات تكنولوجية تجمع بين فهم عميق للسوق الإقليمية وطموح صريح في التمدد العالمي. هذا المشهد، الذي كان استثنائياً قبل عقد من الزمن، بات اليوم ظاهرة قابلة للقياس والرصد.
وفقاً لبيانات منصة MAGNiTT المتخصصة في رصد الاستثمار التقني في الأسواق الناشئة، تجاوز حجم الاستثمار في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عتبة الثلاثة مليارات دولار سنوياً في السنوات الأخيرة، مع تركّز ملحوظ في الإمارات والمملكة العربية السعودية. والأهم من الأرقام المطلقة هو التوجه النوعي: بات المستثمرون الأمريكيون يُشكّلون شريحة متنامية من مصادر هذا التمويل.
قطاعات تقود الموجة
التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل السريع
تُعدّ التجارة الإلكترونية الميدان الذي شهد أبرز قصص النجاح في المنطقة. فتجربة نون، المنصة الإلكترونية التي أسسها محمد علبر بدعم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، أثبتت أن بناء بديل إقليمي لأمازون ليس ضرباً من الخيال. وقد أفضى نمو هذا القطاع إلى ظهور موجة ثانية من الشركات الناشئة التي تستهدف خدمات مكمّلة كاللوجستيات والمدفوعات الرقمية وخدمات ما بعد البيع.
التكنولوجيا المالية (فينتك)
يُمثّل قطاع التكنولوجيا المالية ربما القطاع الأكثر إثارة للاهتمام من منظور المستثمرين الأمريكيين. فالخليج يجمع بين انتشار واسع للهواتف الذكية، وقاعدة سكانية شابة، ونسبة كبيرة من العمالة الوافدة التي تحتاج إلى خدمات تحويل الأموال، وبنية تحتية مصرفية تقليدية لا تُلبّي كامل الاحتياجات الرقمية. هذا المزيج يخلق بيئة خصبة للشركات الناشئة في مجال المدفوعات الرقمية والإقراض والتأمين التقني.
شركات مثل "تمارا" و"تابي" في مجال الشراء الآن والدفع لاحقاً، و"بنك" للخدمات المصرفية الرقمية، باتت أسماء تتردد في نقاشات المستثمرين الأمريكيين المتخصصين في الأسواق الناشئة.
التكنولوجيا الصحية
كشفت جائحة كوفيد-19 عن الحاجة الماسّة إلى تحديث المنظومة الصحية في المنطقة، فانطلقت موجة من الشركات الناشئة في مجالات الاستشارات الطبية عن بُعد وإدارة السجلات الصحية الإلكترونية والصيدلة الرقمية. وقد استقطبت هذه الشركات اهتماماً من صناديق رأس المال المغامر الأمريكية المتخصصة في التكنولوجيا الصحية.
لماذا يتجه المستثمرون الأمريكيون نحو الخليج؟
تستوقفنا هنا ظاهرة لافتة: صناديق رأس المال المغامر الأمريكية التي ظلت تاريخياً تُركّز على وادي السيليكون وعدد محدود من المراكز التقنية العالمية، باتت تُخصص حصصاً متزايدة من محافظها للاستثمار في الشركات الناشئة الخليجية. ما الذي يقف وراء هذا التحول؟
أولاً، التقييمات التنافسية: في مقابل التقييمات المرتفعة جداً للشركات الناشئة في وادي السيليكون، تُقدّم الشركات الخليجية في مراحل نموها الأولى والمتوسطة تقييمات أكثر معقولية مع إمكانات نمو مرتفعة.
ثانياً، حجم السوق القابل للعنونة: الخليج ليس سوقاً معزولة؛ الشركات الناشئة الناجحة في المنطقة غالباً ما تُوسّع نطاقها ليشمل شمال أفريقيا وتركيا وجنوب آسيا، مما يُضاعف حجم السوق المستهدف.
ثالثاً، الدعم الحكومي: لا تُوفّر معظم الحكومات الخليجية لشركاتها الناشئة هذا المستوى من الدعم المؤسسي والتسهيلات التنظيمية، مما يُقلّص المخاطر التنظيمية أمام المستثمرين الأجانب.
قصص نجاح تُلهم الجيل القادم
لا يمكن الحديث عن النظام البيئي لريادة الأعمال الخليجية دون الإشارة إلى قصص ألهمت جيلاً من رواد الأعمال الإقليميين. كريم لخدمة النقل الذكي التي استحوذت عليها أوبر بمليار دولار، وسوق.كوم للتجارة الإلكترونية التي استحوذ عليها أمازون، وأنغامي لبث الموسيقى التي أدرجت في بورصة ناسداك الأمريكية عبر صفقة دمج مع شركة استحواذ ذات غرض خاص، هذه القصص ليست مجرد إنجازات فردية، بل هي إثبات مفهومي يُقنع المستثمرين الأمريكيين بأن السوق الخليجية قادرة على إنتاج قصص خروج مُجزية.
عقبات لا يمكن تجاهلها
بموضوعية تامة، ينبغي الإشارة إلى التحديات التي لا يزال النظام البيئي الريادي الخليجي يواجهها:
- التجزئة التنظيمية: رغم التقدم المُحرَز، لا تزال الفجوات التنظيمية بين الدول الخليجية تُعقّد التوسع الإقليمي للشركات الناشئة.
- الاعتماد على المغتربين: نسبة كبيرة من رواد الأعمال الناجحين في المنطقة هم من المغتربين، مما يُثير تساؤلات حول استدامة هذا الزخم في ظل السياسات الديموغرافية المتغيرة.
- ضحالة سوق الخروج المحلية: رغم نمو أسواق الأسهم الخليجية، لا تزال خيارات الطرح العام الأولي للشركات التقنية محدودة مقارنة بالأسواق الأمريكية.
المشهد بعد خمس سنوات
يتجه النظام البيئي الريادي الخليجي نحو مرحلة نضج متسارعة. مع استمرار ضخ الصناديق السيادية في برامج تسريع الأعمال والمبادرات الوطنية لريادة الأعمال، وتنامي شبكة الخريجين من الشركات الناشئة الناجحة الذين يعودون كمستثمرين ومرشدين، يبدو أن المنطقة تُهيّئ نفسها لإنتاج الجيل القادم من الشركات التقنية الإقليمية ذات الطموح العالمي. وللمستثمرين الأمريكيين الذين يرصدون هذا المشهد باهتمام متزايد، قد تكون النافذة المثلى للدخول مفتوحة الآن.